العلمانية عملية بنيوية كامنة ،،،

يناير 9th, 2008 كتبها فايـز سالم النشوان نشر في , عبدالوهاب المسيري

د. عبدالوهاب المسيري

العلمانية عملية بنيوية كامنة ،،،

من الأسباب التي أدت إلى تقلص نطاق مصطلح العلمانية، تصور البعض أن العلمانية ليست ظاهرة تاريخية، شاملة كاسحة، وإنما هي ظاهرة محددة تتم من خلال آليات واضحة (مثل مصادرة أموال الكنيسة وإشاعة الإباحية)، يمكن تحديدها ببساطة، كما يمكن تبنيها أو التصدي لها بشكل واع .

ومن المنظور الاختزالي نفسه تناقش العلمانية في إطار نقل الأفكار والتأثر بالحضارات الأجنبية، فينظر إلى العلمانية على أنها مجموعة من الأفكار الغربية صاغها بعض المفكرين الغربيين، وأن هذه الأفكار نشأت في أوروبا بسبب طبيعة المسيحية، باعتبارها عقيدة تفصل الدين عن الدولة وتعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله (كأن الغرب لم يشهد ظاهرة تداخل الديني والزمني!)، وبسبب فساد الكنيسة وسطوتها، فالعلمانية من ثَم ظاهرة مسيحية غربية وحسب، مرتبطة ارتباطاً كاملاً بالغرب (الذي لا يزال البعض يصفه بأنه مسيحي)، ولذا، فلا علاقة بالاسلام والمسلمين بها. وحسب هذا التصور الاختزالي، يعود انتشار العلمانية إلى أن بعض المفكرين العرب قاموا بنقل الأفكار العلمانية الغربية، فتبناها بعض أعضاء النخبة، ثم قلدتهم دائرة أوسع من الناس، ثم أخذ نطاق التقليد يتسع تدريجياً إلى أن انتشرت العلمانية في مجتمعاتنا. بل يذهب البعض إلى أن عملية نقل وتطبيق الأفكار العلمانية تتم من خلال مخطط محكم (أو ربما مؤامرة عالمية يقال لها أحياناً (صليبية) أو (يهودية) أو (غربية)!). وللتحقق من معدلات العلمنة في مجتمع ما، فإن الباحث الذي يؤمن بمثل هذه الرؤية يتناول عمليات العلمنة الواضحة وآلياتها المباشرة ومؤشراتها الظاهرة، فإن وجدها، صنف المجتمع باعتباره مجتمعاً علمانياً، وإن لم يجدها، فهو، بكل بساطة، مجتمع إيماني!

وانطلاقاً من هذا التصور الاختزالي تصبح مهمة مَن يود التصدي للعلمانية هي البحث عن الأفكار العلمانية والممارسات العلمانية (الواضحة)، وعن القنوات التي يتم من خلالها نقل الأفكار والممارسات العلمانية. ومهمة مَن يبغى الإصلاح هي ببساطة استئصال شأفة هذه الأفكار والممارسات، عن طريق إصدار تشريعات سياسية معينة وفرض رقابة صارمة على الصور والأفكار الواردة من الخارج (يساعده في هذا البوليس السري والمخابرات العامة بطبيعة الحال!).
ول يمكن أن نقلل من أهمية الأفكار والممارسات العلمانية الواضحة، فهي تساعد ولا شك على تقبل الناس للمُثُل العلمانية، وخصوصاً إذا أشرف على عملية نقل الأفكار وفرض الممارسات مؤسسة ضخمة مثل الدولة المركزية. ولكن تصور العلمانية باعتبارها مجموعة أفكار وممارسات واضحة يظل، مع هذا، تصوراً ساذجاً، ويشكل اختزالاً وتبسيطاً لظاهرة العلمانية وتاريخها، وللظواهر الاجتماعية على وجه العموم .

وهذه الرؤية تتجاهل بعض الحقائق البديهية والبسيطة :

1 ـ النماذج الطبيعية-المادية موجودة بشكل كامن في أي مجتمع بشري، وهي مكون ضروري وأساسي في الوجود الانساني. وعلى المستوى الفكري، يمكن القول بأن الأفكار العلمانية كامنة في أي مجتمع على وجه الأرض (ومنها المجتمعات الاسلامية بطبيعة الحال)، فإغراء التفسيرات المادية والنزوع الجنيني الذي يعبر عن نفسه في الرغبة في الاندماج بالخالق، وفي إلغاء كل الحدود، وفي التحكم الكامل في كل شيء، وفي التخلي عن الحدود عن المسؤولية الخلقية ـ هو جزء من النزوع العام الموجود في النفس البشرية. وهو نزوع يعبر عن نفسه في النزوع نحو الحلولية الكمونية الواحدية. وهذا يعني أن الاتجاه نحو العلمنة والواحدية المادية إمكانية كامنة في النفس البشرية، ومن ثم، فهي كامنة في المجتمعات الاسلامية (التي توجد فيها نزعات حلولية كمونية واحدية متطرفة)، وفي أي مجتمع انساني .

2 ـ أية جماعة إنسانية (وضمن ذلك الأمة الاسلامية)، مهما بلغ تدينها وتمسكها بأهداب دينها، لابد أن تتعامل، في كثير من الأحيان، مع الزمان والمكان والطبيعة والجسد، من خلال إجراءات زمنية صارمة دون أي تجاوز. فمثلاً: عملية بناء بيت للعبادة يتطلب اختيار عمال يتسمون بالكفاءة في أدائهم المهني، ونحن لا ننظر كثيراً إلى مستواهم الأخلاقي أو إلى معتقداتهم الدينية إلا بمقدار تأثير هذا في أدائهم المهني، أي أن عملية اختيار العمال تخضع لمعايير زمنية. ومع هذا، يظل الهدف النهائي من عملية بناء بيت العبادة إقامة الشعائر وليس الربح المادي، فالبناء وسيلة وليس غاية. وعناصر العلمنة موجودة في أي مجتمع في الهامش وفي حالة كمون، ويمكن أن تنتقل من الهامش إلى المركز (المرجعية) ومن الكمون إلى التحقق، إن ظهرت اللحظة التاريخية والظروف الاجتماعية والسياسية المواتية، وساد الجو الفكري المناسب.

3 ـ السلوك الانساني مركب لأقصى درجة، وما يحدده ليس العوامل الواضحة والبرامج المحددة وحسب. فدور العناصر الكامنة غير الواضحة وغير الواعية في تشكيل السلوك الانساني قوي، بل إنها في معظم الأحيان تكون أقوى كثيراً من العناصر الواضحة التي يمكن للانسان أن يستخدم إرادته ضدها، فيتحاشاها أو يحاصرها أو يحيدها.

4 ـ علاقة الدين المسيحي بالمجتمع الغربي علاقة مركبة، وسنجد أن القائلين بأن العلمانية ظاهرة مسيحية غربية وحسب قد أخذوا نصاً من العهد الجديد (اتركوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) وعمموا بناء عليه، بل افترضوا أن كل المسيحيين يسلكون حسب هذا النص. والواقع التاريخي مختلف تمام الاختلاف. فالعقيدة المسيحية لا يمكن اختزالها في هذا النص، وهي رؤية كاملة للكون شكلت الإطار المعرفي والحضاري الذي كان يتحرك داخله العالم الغربي لمدة طويلة، وكانت بمنزلة الأيديولوجية الحاكمة له في كل مجالات الحياة (وضمن ذلك مجالات قيصر). وظهور العلمانية في الغرب لا يرجع إلى فساد بعض رجال الدين، أو إلى الارتباط الوثيق بين مؤسسات الكنيسة (الكاثوليكية) ومؤسسات الإقطاع الغربي، أو إلى تعنت الكنيسة ورفضها الأعمى للثورة العلمية. فرغم أهمية هذه العناصر في اندلاع الثورات ضد الكنيسة إلا أننا نصور أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فهي مرتبطة بتحولات بنيوية عميقة في عالم الاقتصاد والسياسة، ثم في م

المزيد


نهــــاية اسرائــــيل

أغسطس 5th, 2007 كتبها فايـز سالم النشوان نشر في , عبدالوهاب المسيري

كتب : د . عبدالوهاب المسيري .

    

     في 17 أغسطس/ آب 2006، أي أثناء الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، وبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدك المدن والقرى والبنية التحتية اللبنانية وتُسيل دم المدنيين، نشرت صحيفة معاريف مقالا كتبه الصحافي يونتان شيم بعنوان "أسست تل أبيب في العام 1909 وفي العام 2009 ستصبح أنقاضا".

     جاء في المقال "أنه قبل مائة عام أقاموا أولى المدن العبرية، وبعد مائة عام من العزلة قضي أمرها". ما الذي يدعو مثل هذا الكاتب للحديث عن النهاية، نهاية إسرائيل، في وقت بلغت فيه القوة العسكرية الإسرائيلية ذروتها، وتجاوز الدعم الأميركي، السياسي والمالي والعسكري، لها كل الحدود والخطوط الحمراء؟ كيف يمكن تفسير هذا الموقف ؟

     ابتداء لا بد أن نذكر حقيقة تاهت عن الكثيرين في العالم العربي، وهي أن موضوع نهاية إسرائيل متجذر في الوجدان الصهيوني. فحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيونى مشروع مستحيل وأن الحلم الصهيوني سيتحول إلى كابوس .

     وبعد إنشاء الدولة وبعد أن حقق المستوطنون الصهاينة "النصر" على الجيوش العربية تصاعد هاجس النهاية.

     ففي العام 1954 قال موشيه ديان وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي، في جنازة صديق له قتله الفدائيون الفلسطينيون "علينا أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة".

     النهاية ، ماثلة دائما في العقول، فالضحايا الذين طردوا من ديارهم تحولوا هم وأبناؤهم إلى فدائيين يقرعون الأبواب يطالبون بالأرض التي سلبت منهم .

     ولذا فإن الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري يرى أن كل إسرائيلي يُولَد "وفي داخله السكين الذي سيذبحه"، فهذا التراب (أي إسرائيل) لا يرتوي"، فهو يطالب دائما "بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى". في الميلاد يوجد الموت وفي البداية توجد النهاية .

     وتتناول قصة "في مواجهة الغابة" التي كتبها الروائي الإسرائيلي أبراهام يهوشوا في النصف الأول من الستينيات الحالة النفسية لطالب إسرائيلي عين حارسا لغابة غرسها الصندوق القومي اليهودي في موقع قرية عربية أزالها الصهاينة مع ما أزالوه من قرى ومدن .

     ورغم أن هذا الحارس ينشد الوحدة، فإنه يقابل عربيا عجوزا أبكم من أهل القرية يقوم هو وابنته برعاية الغابة، وتنشأ علاقة حب وكره بين العربي والإسرائيلي، فالإسرائيلي يخشى انتقام العربي الذي أصيب بعاهته أثناء عملية التنظيف العرقي التي قام بها الصهاينة عام 1948.

     ولكن ورغم هذا يجد نفسه منجذبا إلى العجوز العربي بصورة غير عادية، بل يكتشف أنه يحاول، بلا وعي، مساعدته في إشعال النار في الغابة .

     وفي النهاية ، عندما ينجح العربي في أن يضرم النار في الغابة، يتخلص الحارس من كل مشاعره المكبوتة، ويشعر براحة غريبة بعد احتراق الغابة، أي بعد نهاية إسرائيل !

     وفي اجتماع مغلق في مركز الدراسات السياسة والإستراتيجية في الأهرام أخبرنا الجنرال الفرنسي أندريه بوفر، الذي قاد القوات الفرنسية في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بواقعة غريبة، كان هو شاهدها الوحيد .

     فقد ذهب لزيارة إسحق رابين في منتصف يونيو/ حزيران 1967 أى بعد انتهاء الحرب بعدة أيام، وبينما كانا يحلقان في سماء سيناء والقوات الإسرائيلية المنتصرة في طريق عودتها إلى إسرائيل بعد أن أنجزت مهمتها، قام الجنرال بوفر بتهنئة رابين على نصره العسكري، ففوجئ به يقول "ولكن ماذا سيتبقى من كل هذا؟" “what will remain of it?” all. في الذروة أدرك الجنرال المنتصر حتمية الهوة والنهاية

     إن موضوع النهاية لا يحب أحد في إسرائيل مناقشته، ولكنه مع هذا يُطل برأسه في الأزمات، فأثناء انتفاضة 1987، حين بدأ الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان يتساقط، حذر إسرائيل هاريل المتحدث باسم المستوطنين من أنه إذا حدث أى شكل من أشكال الانسحاب والتنازل (أى الانسحاب من طرف واحد). فإن هذا لن يتوقف عند الخط الأخضر (حدود 1948)، إذ سيكون هناك انسحاب روحى يمكن أن يهدد وجود الدولة ذاتها (الجيروزاليم بوست 30 يناير/ كانون الثاني 1988) .

     أخبر رئيس مجلس السامرة الإقليمي شارون (في مشادة كلامية معه) "إن هذا الطريق الدبلوماسي هو نهاية المستوطنات، إنه نهاية إسرائيل" (هآرتس17 يناير/ كانون الثاني 2002). ويردد المستوطنون أن الانسحاب من نابلس يعنى الانسحاب من تل أبيب.

      مع انتفاضة الأقصى تحدثت الصحف الإسرائيلية عدة مرات عن موضوع نهاية إسرائيل، فقد نشرت جريدة يديعوت أحرونوت (27 يناير/ كانون الثاني 2002) مقالا بعنوان "يشترون شققا في الخارج تحسبا لليوم الأسود"، اليوم الذي لا يحب الإسرائيليون أن يفكروا فيه، أي نهاية إسرائيل!.

     الموضوع نفسه يظهر في مقال ياعيل باز ميلماد (معاريف 27 ديسمبر/ كانون الأول 2001) الذي يبدأ بالعبارة التالية "أحاول دائما أن أبعد عنى هذه الفكرة المزعجة، ولكنها تطل في كل مرة وتظهر من جديد، هل يمكن أن تكون نهاية الدولة كنهاية الحركة

المزيد





f_alnashwan@hotmail.com