العلمانية عملية بنيوية كامنة ،،،
من الأسباب التي أدت إلى تقلص نطاق مصطلح العلمانية، تصور البعض أن العلمانية ليست ظاهرة تاريخية، شاملة كاسحة، وإنما هي ظاهرة محددة تتم من خلال آليات واضحة (مثل مصادرة أموال الكنيسة وإشاعة الإباحية)، يمكن تحديدها ببساطة، كما يمكن تبنيها أو التصدي لها بشكل واع .
ول يمكن أن نقلل من أهمية الأفكار والممارسات العلمانية الواضحة، فهي تساعد ولا شك على تقبل الناس للمُثُل العلمانية، وخصوصاً إذا أشرف على عملية نقل الأفكار وفرض الممارسات مؤسسة ضخمة مثل الدولة المركزية. ولكن تصور العلمانية باعتبارها مجموعة أفكار وممارسات واضحة يظل، مع هذا، تصوراً ساذجاً، ويشكل اختزالاً وتبسيطاً لظاهرة العلمانية وتاريخها، وللظواهر الاجتماعية على وجه العموم .
وهذه الرؤية تتجاهل بعض الحقائق البديهية والبسيطة :
1 ـ النماذج الطبيعية-المادية موجودة بشكل كامن في أي مجتمع بشري، وهي مكون ضروري وأساسي في الوجود الانساني. وعلى المستوى الفكري، يمكن القول بأن الأفكار العلمانية كامنة في أي مجتمع على وجه الأرض (ومنها المجتمعات الاسلامية بطبيعة الحال)، فإغراء التفسيرات المادية والنزوع الجنيني الذي يعبر عن نفسه في الرغبة في الاندماج بالخالق، وفي إلغاء كل الحدود، وفي التحكم الكامل في كل شيء، وفي التخلي عن الحدود عن المسؤولية الخلقية ـ هو جزء من النزوع العام الموجود في النفس البشرية. وهو نزوع يعبر عن نفسه في النزوع نحو الحلولية الكمونية الواحدية. وهذا يعني أن الاتجاه نحو العلمنة والواحدية المادية إمكانية كامنة في النفس البشرية، ومن ثم، فهي كامنة في المجتمعات الاسلامية (التي توجد فيها نزعات حلولية كمونية واحدية متطرفة)، وفي أي مجتمع انساني .
2 ـ أية جماعة إنسانية (وضمن ذلك الأمة الاسلامية)، مهما بلغ تدينها وتمسكها بأهداب دينها، لابد أن تتعامل، في كثير من الأحيان، مع الزمان والمكان والطبيعة والجسد، من خلال إجراءات زمنية صارمة دون أي تجاوز. فمثلاً: عملية بناء بيت للعبادة يتطلب اختيار عمال يتسمون بالكفاءة في أدائهم المهني، ونحن لا ننظر كثيراً إلى مستواهم الأخلاقي أو إلى معتقداتهم الدينية إلا بمقدار تأثير هذا في أدائهم المهني، أي أن عملية اختيار العمال تخضع لمعايير زمنية. ومع هذا، يظل الهدف النهائي من عملية بناء بيت العبادة إقامة الشعائر وليس الربح المادي، فالبناء وسيلة وليس غاية. وعناصر العلمنة موجودة في أي مجتمع في الهامش وفي حالة كمون، ويمكن أن تنتقل من الهامش إلى المركز (المرجعية) ومن الكمون إلى التحقق، إن ظهرت اللحظة التاريخية والظروف الاجتماعية والسياسية المواتية، وساد الجو الفكري المناسب.
3 ـ السلوك الانساني مركب لأقصى درجة، وما يحدده ليس العوامل الواضحة والبرامج المحددة وحسب. فدور العناصر الكامنة غير الواضحة وغير الواعية في تشكيل السلوك الانساني قوي، بل إنها في معظم الأحيان تكون أقوى كثيراً من العناصر الواضحة التي يمكن للانسان أن يستخدم إرادته ضدها، فيتحاشاها أو يحاصرها أو يحيدها.
4 ـ علاقة الدين المسيحي بالمجتمع الغربي علاقة مركبة، وسنجد أن القائلين بأن العلمانية ظاهرة مسيحية غربية وحسب قد أخذوا نصاً من العهد الجديد (اتركوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) وعمموا بناء عليه، بل افترضوا أن كل المسيحيين يسلكون حسب هذا النص. والواقع التاريخي مختلف تمام الاختلاف. فالعقيدة المسيحية لا يمكن اختزالها في هذا النص، وهي رؤية كاملة للكون شكلت الإطار المعرفي والحضاري الذي كان يتحرك داخله العالم الغربي لمدة طويلة، وكانت بمنزلة الأيديولوجية الحاكمة له في كل مجالات الحياة (وضمن ذلك مجالات قيصر). وظهور العلمانية في الغرب لا يرجع إلى فساد بعض رجال الدين، أو إلى الارتباط الوثيق بين مؤسسات الكنيسة (الكاثوليكية) ومؤسسات الإقطاع الغربي، أو إلى تعنت الكنيسة ورفضها الأعمى للثورة العلمية. فرغم أهمية هذه العناصر في اندلاع الثورات ضد الكنيسة إلا أننا نصور أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فهي مرتبطة بتحولات بنيوية عميقة في عالم الاقتصاد والسياسة، ثم في م














