أغنية الطائر - 8- أنتوني دوميلو

مارس 13th, 2007 كتبها فايـز سالم النشوان نشر في , أدب, أدب ........ كتاب أغنية الطائر أنتوني دومللو

الأعرابي

 

كان جلال الدين الرومي يستمتع برواية هذه القصة:

 

كان الرسول محمد عليه السلام يؤمّ المصلين صلاة الصبح في المسجد. وكان أعرابي وسط حشد المصلين مع النبي ذلك اليوم.

 

وبدأ النبي يقرأ القرآن حتى تلا الآية التي يدّعي فيها فرعون قائلاً: "أنا ربكم الأعلى." لدى سماعه ذلك استشاط الأعرابي الطيب غضباً فكسر الصمت صارخاً: "يا لابن الكلبة الدعيّ."

 

لم يقل الرسول شيئاً. لكن ما إن انتهت الصلاة حتى بدأ القوم يوبخون الأعرابي: "ألا تستحي يا رجل؟ إن صلاتك غير مقبولة عند الله لأنك لم تعكر صفو صمت الصلاة المقدس فحسب بل رفثت في حضرة رسول الله."

 

بقي الأعرابي المسكين يرتعد خوفاً، حتى ظهر جبريل للنبي وقال: "إن الله يقرئك السلام ويأمرك أن تمنع الناس عن تعنيف الأعرابي البسيط. فالحق أن رفثه الصادق حرك قلبي أكثر من الصلوات المقدسة للآخرين."

 

نحن ثلاثة وأنت ثلاثة

 

عندما رست سفينة المطران عند جزيرة نائية ليوم واحد، صمّم أن يستغل الوقت بأفضل ما يمكن من النفع. فبينما كان يتنزّه على شاطئ البحر مرّ بثلاثة صيادين يصلحون شباكهم. وبإنكليزية رَطِنَة شرحوا له أن قومهم قد تنصّروا منذ قرون على يد الإرساليات. "نحن مسيحي!" قالوا، يشير كلٌّ منهم إلى الآخرين بفخر.

 

تأثر المطران. أتراهم يعرفون صلاة الربّ؟ لم يسمعوا بها قط ؟ صُدِم المطران.

 

"ماذا تقولون إذن عندما تصلون؟"

 

"نرفع عيون إلى سماء. نصلي: "نحن ثلاثة، أنت ثلاثة، ارحمنا"."

 

هالت المطران طبيعة صلاتهم البدائية، الصريحة الزندقة. لذا صرف اليوم كله يعلِّمهم صلاة الربّ. كان الصيادون قليلي الاستيعاب، لكنهم بذلوا قصارى جهدهم، وقبل أن يواصل المطران سفره في اليوم التالي كان بالغ الارتياح لسماعهم يتلون الدعاء كاملاً دون أي غلط.

 

ثم اتفق لسفينة المطران أن مرت، بعد شهور، بالقرب من تلك الجزر مرة أخرى، وإذ كان المطران يذرع ظهر السفينة جيئة وذهاباً مردداً صلواته المسائية، تذكَّر مسروراً الرجال الثلاثة في تلك الجزيرة النائية الذين أصبحوا قادرين الآن أن يصلّوا بفضل جهده الصبور. وبينما هو مستغرق في الفكرة اتفق له أن رفع نظره فلاحظ بقعة ضوء في الشرق.

واصل الضوء الاقتراب من السفينة. وإذا بالمطران، وهو يحدِّق مذهولاً، يرى ثلاثة أخيلة تمشي على الماء. أوقف القبطان السفينة وانحنى الجميع على الدرابزين لينظروا المشهد.

 

وعندما صارت المسافة تسمح بالكلام تعرف المطران إلى أصدقائه الصيادين الثلاثة الذين هتفوا معاً: "يا مطران! يا مطران! نسمع سفينتك يمر قرب جزيرة فنأتي بسرعة بسرعة للقائك."

 

"ماذا تبغون؟" سأل المطران مذهولاً.

 

قالوا: "يا مطران، نحن آسف جداً جداً. نحن ننسى صلاة لطيفة. نقول: "أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك" ثم ننسى. نرجوك تقول لنا صلاة ثانية."

 

شعر المطران بالتواضع وقال: "عودوا إلى بيوتكم يا أصدقائي، وكلما صليتم قولوا: "نحن ثلاثة، أنت ثلاثة، ارحمنا!""

 

قديساً كنت أم ملحداً، فلتكن لك صلاتك الخاصة، النابعة من فيض قلبك.

 

كان شارل دو فوكو شاباً مستهتراً يحاول دوماً أن يروي ظمأه من سقط المتاع. لكنه بدأ يصلي بصدق قائلاً: "إذا كنت موجوداً يا الله، فأظهر لي ذاتك!" وكانت صلاته تلك بداية طريق قادته إلى تسنُّم ذروة الروح. وفي نهاية حياته كان يصلي: "أبتِ! إني أسلم لك ذاتي، فافعل بي ما تشاء."

 

وقد تكون الصلاة خطرة

 

هاك قصة كانت من القصص الأثيرة عند المعلم الصوفي سعدي الشيرازي:

 

فرح أحد أصدقائي أن امرأته حامل. كان متّقد الرغبة في طفل صبي. فصلى إلى الله دون انقطاع ونذر في باله نذراً إذا ما استجاب الله لصلاته.

 

 وقد قيِّض له فعلاً أن وضعت زوجه صبياً. ابتهج صديقي ودعا أهل القرية جميعاً إلى وليمة شكر.

 

بعد سنين من ذلك، وأنا عائد من مكة المكرمة، عرَّجت على قرية صديقي. فقيل لي إنه في السجن.

 

سألت: "لماذا، ماذا فعل؟"

 

فقال لي جاره: "شرب ابنه منكراً حتى سكر وقتل رجلاً وهرب. وهكذا اعتُقِل والده وأودع السجن."

 

أن نلحف على الله في طلب ما نريد أمر محمود - ومحفوف بالخطر.


 

نارادا

 

خرج الحكيم الهندي نارادا حاجاً إلى معبد الرب فشنو. ذات ليلة توقف في قرية حيث استضافه في كوخهما زوجان لم يرزقا أطفالاً. وقبل أن ينطلق صباح اليوم التالي قال الرجل لنارادا: "أنت ماضٍ إلى مقام الربّ فشنو. فاسأله أن يرزقني وزوجي ولداً."

 

عندما بلغ نارادا المعبد سأل الربّ قائلاً: "ذلك الرجل وزوجه أحسنا وفادتي. فارأف بهما وارزقهما ولداً." أجاب الربّ بلهجة جازمة: "لم يُكتَب لهذا الرجل أن يُرزَق أطفالاً." وهكذا أدى نارادا فروض عبادته وعاد إلى بلده.

 

بعد خمس سنوات قام نارادا بالحجّ نفسه وتوقف في القرية عينها واستضافه مرة أخرى الزوجان إياهما. هذه المرة كان طفلان يلعبان عند مدخل الكوخ.

 

سأل نارادا: "لمن هذان الطفلان؟" أجابه الرجل: "إنهما ولداي."

 

وأسقط في يد نارادا. لكن الرجل مضى يقول: "ما إن غادرتنا منذ خمس

سنوات حتى جاء سنِّياسي إلى قريتنا. فاستضفناه ليلتئذٍ. وفي اليوم التالي، قبل أن يغادر، باركنا أنا وزوجي وهذان هما ثمرة بركته."

 

عندما سمع نارادا هذا لم يطق صبراً على الذهاب إلى معبد فشنو من جديد. وحال وصوله صاح من مدخل المعبد: "أما قلت لي إنه لم يُكتَب لهذا الرجل أن يكون له ولد؟ فها إن له اثنين!"

 

عندما سمع الربّ هذا قهقه وقال: "لابد أن ذلك من صنع قديس. فللقديسين سلطان على تغيير القدر!"

 

كما تبيّن لهم في عرس قانا الجليل عندما حضّت أم يسوع ولدها، بنعمة صلاتها، على اجتراح معجزة قبل أن تأتي ساعته.

 

"الطاعة تكون من أجل الطاعة. فالإنسان إذا أطاع الله فإن الله يطيعه." (الأب مِيّوس الذي من فيليوس)

"إن لله عباداً إذا أرادوا أراد." (حديث شريف)

 

 

 

 

القَدَر في رمي قطعة نقدية

 

قرر القائد الياباني نوبوناغا أن يهاجم، وإنْ بجندي واحد مقابل عشرة من جنود الأعداء. كان واثقاً من النصر، غير أن نفوس رجاله كان يتأكَّلها الشك.

 

في الطريق إلى المعركة توقفوا عند مزار شِنْتُو*. وبعد أن صلّى نوبوناغا في المزار خرج إليهم وقال: "سوف أرمي الآن بقطعة نقدية. فإذا ظهر الرأس سننتصر، وإذا ظهر الذيل سننهزم. القدر سوف ينكشف الآن."

 

ورمى القطعة. فظهر الرأس. فبلغت الحماسة بالجند حداً جعلهم يسحقون العدو سحقاً.

 

في اليوم التالي قال أحد المعاونين لنابوناغا: "ليس لأحد أن يغير القدر."

 

"أصبت،" قال نوبوناغا وهو يريه قطعة نقدية مزدوجة كلا وجهيها رأس.

 

من يصنع القدر؟

المزيد





f_alnashwan@hotmail.com