ننفرد بين جميع المدونات بنشر كتاب ( لا تحزن ) للشيخ

 عائض القرني حفظه الله على صورة حلقات  ....

 

 

 

 

موسوعة قصة الحضارة - ول ديورانت - - ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود - 27

كتبهافايـز سالم النشوان ، في 14 مارس 2007 الساعة: 20:02 م

صفحة رقم : 804  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

 

الباب السابع عشر

 

 

 

 

حياة الشعب

 

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

 

منتجو الثروة

 

 

 

 

البداية في الغابة - الزراعة - التعدين - الصناعات

 

 

 

 

اليدوية - التجارة - المال - الضرائب - المجاعات - الفقر والغنى

 

 

لم تتلق تربة الهند بذور المدنية عن رضى، فقد كان شطر عظيم منها تغطيه الغابات تسكنها وتذود عنها سباع ونمور وفيلة وثعابين وغيرها من الكائنات الفردية غير الاجتماعية التي تزدري المدنية على مذهب روسو؛ فقام صراع حيوي لانتزاع الأرض من هذه الأعداء، ودام الصراع متخفياً وراء ستار الحركات الاقتصادية والسياسية جميعاً؛ فقد كان "أكبر" يصيد النمور بالقرب من "مأثورة" ويمسك بالفيلة المتوحشة في أماكن كثيرة تخلو منها اليوم خلواً تاماً؛ وقد كنت تصادف الأُسْد إبان العصور الفيدية أينما سرت في الشمال الغربي من الهند أو في أجزائها الوسطى، أما اليوم فلا يكاد يوجد في شبه الجزيرة كلها؛ لكن الثعبان وصنوف الحشرات لا تزال هناك ماضية في حربها؛ ففي سنة 1926م فتكت الحيوانات المفترسة من الهنود بما يقرب من ألفين (من بين هؤلاء 875 قتلتهم النمور الضارية في أرجاء البلاد)، أما سم الأفاعي فقد أودى بعشرين ألفاً من الهنود ذلك العام(1).

 

 

 

 

  صفحة رقم : 805  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

ولما خلصت الأرض على مر الزمن من الكواسر، تحولت إلى حقول يزرع فيها الأرز والقطاني والذرة والخضر والفواكه؛ فلقد رضيت الكثرة الغالبة من السكان خلال الشطر الأعظم من تاريخ الهند بعيش متواضع قوامه هذه الأغذية الطبيعية، وكانوا يجففون اللحم والسمك والطيور لطائفتي المنبوذين والأغنياء ، ولكي يجعلوا طعامهم أشهى- أو ربما أرادوا معونة أفروديت(4)- زرعوا وأكلوا مقداراً غير مألوف في سائر البلاد من التوابل، مثل البهار الهندي والزنجبيل والقرنفل والقرفة؛ ولقد صادفت هذه التوابل تقديراً عظيماً عند الأوربيين حتى لقد انطلقوا في البحار سعياً وراءها فوقعوا على نصف الكرة الأرضية الذي كان مجهولاً؛ مع أننا جميعاً نظن أن أمريكا قد كشفت لتكون للحب مسرحاً؛ كانت الأرض في العصور الفيدية ملكاً للشعب في الهند(5) ومنذ أيام "تشاندرا جوبتا موريا" أصبح العرف بين المُلاَّك أن يطالبوا لأنفسهم بملكية الأرض كلها، ثم يؤجرونها للزراع مقابل أجر وضريبة يدفعان كل عام(6)وكان الري في العادة من واجبات الحكومة، ولقد ظل أحد السدود التي شيدها "تشاندرا جوبتا" حتى سنة 150م ، ولا نزال نشاهد آثار القنوات القديمة في شتى أرجاء الهند، كما نشاهد آثار البحيرة التي احتفرها احتفاراً "راج سنج"- راجبوت رانا في موار- لتكون خزاناً لمياه الري (1661م) وأحاطها بحائط من المرمر طوله اثنا عشر ميلاً(7).

والظاهر أن قد كان الهنود أول شعب استنجم الذهب(8) فيحدثنا هيرودوت(9)والمجسطي(10) عن "النمل الكبير الذي يحفر الأرض طلباً للذهب، وهو أصغر قليلاً في حجمه من الكلاب، لكنه أكبر من الثعالب" وقد عاون هذا النمل عمال المناجم في إخراجهم للذهب، وذلك حين يخدش

 

 

 

 

  صفحة رقم : 806  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

الرمل فيظهر الذهب الدفين ولقد كانت الهند مصدراً لكثير من الذهب الذي استخدم في امبراطورية فارس في القرن الخامس قبل الميلاد؛ كذلك استنجمت هناك الفضة والنحاس والرصاص والقصدير والزنك والحديد- وكان استنجام الحديد في وقت باكر من التاريخ إذ كان في سنة 1500 ق.م(11)؛ وارتقت صناعة طرق الحديد وصبه في الهند قبل ظهورها المعروف لنا في أوربا بزمن طويل، فمثلاً أقام "فكرامادتيا" (حوالي سنة 380م) في دلهي عموداً من حديد لا يزال محتفظاً ببريقه حتى اليوم، بعد أن انقضى عليه خمسة عشر قرناً؛ ولا يزال سر احتفاظه ببريقه من عوامل الصدأ والتآكل، الذي يرجع إلى نوع المعدن ذاته أو إلى طريقة طرقه وصبه، لا يزال سر ذلك لغزاً يحير علم المعادن الحديث(12)؛ وقد كان صهر الحديد في أفران صغيرة توقد بالفحم من كبرى صناعات الهند قبل الغزو الأوربي لتلك البلاد(13) لكن هذه الصناعة الهندية لم تصمد لمقاومة مثيلتها في أوربا، لأن الثورة الصناعية في أوربا علمتها كيف تؤدي هذه الصناعة بنفقات قليلة وعلى نطاق واسع؛ ولم يعد الناس من جديد إلى استغلال الموارد المعدنية الغنية في الهند واستكشافها إلا في يومنا هذا(14).

وظهرت زراعة القطن في الهند في عصر سابق لظهوره في أي بلد آخر، والأرجح أنه كان ينسج قماشاً في "موهنجو دارو"(15) يقول هيرودوت في نص هو أقدم ما بين أيدينا من مراجع عن القطن، يقول في جهل ممتع: "وهناك أشجار حوشية تثمر الصوف بدل الفاكهة، وصوفها يفوق صوف الأغنام جودة وجمالاً؛ ويصنع الهنود ثيابهم من هذه الأشجار"(16) ؛فلما شن الرومان حروبهم في الشرق الأدنى، عرفوا هذا "الصوف" الذي تثمره الأشجار(17)؛ وروى لنا الرحالة العرب الذين زاروا الهند في القرن التاسع بأنه "في هذه البلاد يصنع الناس أثواباً يبلغون بها درجة من الكمال لا تصادف

 

 

 

 

  صفحة رقم : 807  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

لها مثيلاً في أي مكان آخر- فهي من الحياكة والغزل على درجة من الرقة تسمح لك أن تنفذ الثوب من خاتم متوسط الحجم"(18)، ونقل العرب في العصر الوسيط هذا الفن عن الهند، ومن الكلمة العربية "قطن" أخذنا نحن كلمتنا الانجليزية(19) وكلمة "موسلين" أطلقت بادئ ذي بدء على الغزل الرقيق الذي كان يصنع في الموصل على غرار النماذج الهندية؛ وكذلك كلمة "كالكو" (أي البفتة) أطلقت على مسماهما لأن هذا الصنف من القماش جاءنا لأول مرة (1631م) من مدينة كلكتا الواقعة على الشواطئ الجنوبية الغربية؛ ويحدثنا "ماركوبولو" عن "جوجارات" في سنة 1293م فيقول: "إنهم هنا يطرزون بالوشي على نحو من الدقة لا يبلغه أي بلد من بلاد العالم" (20)، وما تزال "شيلان" كشمير، و"سجاجيد" الهند شاهدة حتى اليوم على براعة النسج الهندي من حيث حبك الديباجة وتصميم الزخارف ، على أن النسج لا يعدو أن يكون واحداً من صناعات يدوية كثيرة في الهند، والنساجون إن هم إلا فئة واحدة من فئات الصناعة والتجارة التي أشرفت على تنظيم الصناعة في الهند وإخضاعها لقواعد وأصول، ونظرت أوربا إلى الهنود نظرتها إلى الخبراء في كل ضروب الصناعة اليدوية تقريباً- صناعة الخشب وصناعة العاج وصناعة المعادن وتبييض القماش والصباغة والدبغ وصناعة الصابون ونفخ الزجاج والبارود والصواريخ النارية والإسمنت وغيرها(21)، واستوردت الصين من الهند مناظير سنة 1260م ؛ ويصف لنا "برتييه" الرحالة الذي جاب الهند في القرن السابع عشر يصف لنا الهند بأنها تطنّ بأصوات الصناعة طنيناً؛ وكذلك رأى "فتشي" سنة 1585م أسطولاً من مائة وثمانين مركباً تحمل متنوعات شتى من السلع على نهر جمنة.

 

 

 

 

  صفحة رقم : 808  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

وازدهرت التجارة الداخلية، حتى لقد كانت جوانب الطرقات- وما تزال- أسواقا للبيع والشراء؛ وأما تجارة الهند الخارجية فهي من القدم مثل تاريخها(22) فهناك آثار وجدناها في سومر وفي مصر تدل على تبادل تجاري بين هذين القطرين والهند، وفي عهد ليس أحدث تاريخاً من سنة 3000 ق.م(23)؛ وازدهرت التجارة بين بابل والهند عن طريق الخليج الفارسي بين عامي 700 و 480 ق.م؛ ومن يدري فلعل "العاج والقردة والطواويس" التي جاء بها سليمان، إنما جاءت من المورد نفسه وعن نفس الطريق؛ وأخذت سفن الهند تشق البحار إلى بورما والصين في عهد "تشاندرا جوبتا" ؛ وازدحمت أسواق الهند "الدرافيدية" بالتجار اليونان الذين أطلق عليهم الهنود اسم "يافنا" (الآيونيين)، وكان ذلك في القرون التي سبقت والتي لحقت مولد المسيح(24)؛ وكذلك اعتمدت روما في أيام ترفها المادي، على الهند في استيراد التوابل والعطور والدهون، ودفعت أثماناً عالية فيما ابتاعته من الهند من حرير ووشي وموصلي وأثواب الذهب، حتى لقد اتهم "بلني" روما بالإسراف لأنها كانت تنفق كل عام خمسة ملايين دولار على ما تستورده من الهند من أسباب الترف؛ وكانت روما تستعين كذلك بالفهود والنمور والفيلة التي تأتي بها من الهند، على إقامة ألعابها في المصارعة، وتأدية طقوس القرابين عند الكولوسيوم(25)؛ وما حاربت روما الحروب البارئية إلا ليظل لها طريق التجارة إلى الهند مفتوحاً؛ ثم حدث في القرن السابع أن استولى العرب على فارس ومصر، ومنذ ذلك الحين، أخذت التجارة بين أوربا وآسيا تمر خلال أيدي المسلمين، ومن ثم قامت الحروب الصليبية، وظهر كولمبس؛ وانتعشت التجارة الخارجية من جديد في ظل المغول؛ ولهذا ازدهرت بالغنى مدينة البندقية ومدينة جنوا وغيرهما من المدن الإيطالية، بسبب قيامها بما تقوم به الموانئ للتجارة الأوربية مع الهند والشرق؛ وإن النهضة الأوربية لتدين للثروة التي جاءت بها هذه التجارة، أكثر مما تدين للمخطوطات التي جاء بها اليونان إلى إيطاليا؛ وكان

 

 

 

 

  صفحة رقم : 809  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

"لأكبر" إدارة بحرية تشرف على بناء السفن وتنظم حركة الملاحة في المحيطات، فاشتهرت موانئ البنغال والسند ببناء السفن، وبلغت تلك الموانئ بهذه الصناعة حداً من الاتقان حدا بسلطان القسطنطينية أن يصنع سفنه هناك بدل صناعتها في الإسكندرية، لقلة النفقات هناك؛ بل إن "شركة الهند الشرقية" ذاتها بنت كثيراً من سفنها في موانئ البنغال(26).

واستغرق تطور النقد الضروري لتيسير هذه التجارة عدة قرون؛ ففي أيام بوذا كانت قطع النقد مستطيلة الشكل غليظة الصنعة، وكانت تصدرها سلطات اقتصادية وسياسية مختلفة، ولم تصل الهند إلى مرحلة النقد الذي تضمن الحكومة قيمته إلا في القرن الرابع قبل الميلاد، بتأثير فارس واليونان(27)؛ فأصدر "شرشاه" قطعاً نقدية جميلة الشكل من النحاس والفضة والذهب، وجعل الروبية العملة الأساسية في أرجاء المملكة(28).

وفي عهد "أكبر" و "جهان كير" كانت قطع النقود في الهند أرقى من مثيلاتها في أية دولة أوربية حديثة من حيث تصميم شكلها من الوجهة الفنية، وصفاء معدنها(29)، وكما كانت الحال في أوربا في العصور الوسطى، كذلك كانت في الهند في تلك العصور، مع أن نمو الصناعة والتجارة قد عاقته هنا وهناك كراهة دينية للربا.

يقول المجسطي: "إن الهنود لا يقرضون مالهم بالربا ولاهم يعرفون كيف يقترضون؛ وإنه لمما يجافي الأوضاع المقررة عند الهندي أن يقترف الخطأ في حق غيره أو أن يحتمل الإيذاء من غيره، ولهذا تراهم لا يبرمون عقوداً ولا يطلبون الضمانات"(30).

فإذا ما عجز الهندي عن استغلال ما ادخره في مشروعاته التي يقوم بها بنفسه آثر أن يخفيه أو أن يشتري به جواهر لكونها ثروة يسهل إخفاؤها(31)، ولعل عجزهم هذا عن اصطناع نظام ييسر القروض كان مما عاون "الثورة الصناعية" أن تمهد سبيل السيطرة الأوربية على آسيا؛ ومع ذلك فعلى الرغم

 

 

 

 

  صفحة رقم : 810  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

من كراهة البراهمة للاقتراض، أخذت عمليات الاقتراض تزداد شيئاً فشيئاً، وكانت نسبة الربح تختلف باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها المقترض، من اثني عشرة إلى ستين في المائة، وكان المتوسط في جملته عشرين في المائة(32)، ولم يكن الإفلاس يتخذ وسيلة لتصفية الديون، وإذا مات مدين عن دين، كان على أبنائه وأبناء أبنائه إلى الجيل السادس أن ينوبوا في الوفاء بذلك الدين(33).

وفرضت ضرائب باهظة على الزراعة والتجارة تدعيماً لأركان الحكومة، وكان على الفلاح أن يتنازل من محصوله عن مقدار يتراوح بين سدسه ونصفه، وكذلك فرضت ضرائب كثيرة على تبادل السلع وإنتاجها كما كانت الحال في أوربا في عصورها الوسطى، وفي أوربا في عصرنا القائم(34)؛ جاء "أكبر" فرفع ضريبة الأراضي إلى ثلث المحصول، لكنه لقاء ذلك ألغى كل صنوف الضرائب الأخرى(35)؛ ولئن كانت هذه الضريبة على الأرض باهظة، إلا أن من حسناتها أنها كانت ترتفع مع ازدهار المحصول وتهبط مع الأزمات؛ وإذا ما أصيبت البلاد بمجاعة، فقد كان الفقراء- على الأقل- يموتون دون أن تفرض عليهم الضرائب؛ ولم تخل البلاد من سني المجاعة حتى في أيام "أكبر" ذات الرخاء (1595- 1608)، والظاهر أن مجاعة سنة 1556م أدت بالناس إلى أكل اللحوم البشرية وإلى الخراب الشامل؛ إذ كانت الطرق رديئة والمواصلات بطيئة الحركة، فلم يكن يسيراً على فائض منطقة من المناطق أن يطعم أخرى مما أصيب بالقحط.

وكما هي الحال في كل أرجاء العالم، كان في الهند إذ ذاك تفاوت واسع بين الفقر والغنى، ولكنه لم يبلغ اليوم في الهند أو أمريكا؛ ففي أسفل السُّلَّم كانت هناك أقلية صغيرة من العبيد، ويتلوهم صعوداً فئة "الشودرا" الذين لم يكونوا عبيداً بقدر ما كانوا مأجورين على عملهم، ولو أن منزلتهم الاجتماعية كإجراء كانت تُوَرَّث، كما هو الحال في سائر المنازل الاجتماعية

 

 

 

 

  صفحة رقم : 811  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

بين الهنود؛ وكان الفقر الذي وصفه "الأب دِبْوَا" (1820م)(36) نتيجة الخمسين عاماً من الفوضى السياسية، ولو أن حالة الشعب في ظل المغول كانت مزدهرة نسبياً (37)، فلئن كانت الأجور متواضعة تتراوح بين ما يساوي ثلاث سنتات (السنت عملة أمريكية تساوي مليمين) وتسعاً كل يوم في عهد "أكبر" إلا أن الأثمان كانت بخسة بما يقابل تلك الأجور القليلة؛ ففي سنة 1600م كانت الروبية (وهي تساوي في المتوسط 5ر32 سنت) تشتري 194 رطلاً من القمح أو 287 رطلاً من الشعير؛ وأما في سنة 1901م فلم تكن الروبية تشتري إلا 29 رطلاً من القمح أو 44 رطلاً من الشعير(38)؛ ولقد وصف الحالة إنجليزي سكن الهند في سنة 1616م فوصف "وفرة المواد كلها "بأنها" وفرة عظيمة جداً في طول البلاد وعرضها".

ثم أضاف إلى ذلك قوله: "إن كان إنسان هناك في مستطاعه أن يجد زاده من الخبز في وفرة لا تعرف قحطاً"(39). وقال إنجليزي آخر طاف بالهند في القرن السابع عشر: "إن نفقاته كانت تبلغ في المتوسط أربع سنتات كل يوم"(40).

بلغت ثروة البلاد ذروتها في عهد "تشاندرا جوبتا موريا" و "شاه جهان" فقد ضربت الأمثال في أرجاء العالم كله بثروة الهند في ظل ملوك "جوبتا" ؛ وصور "يوان شوانج" مدينة هندية بقوله إنها جميلة تزينها الحدائق وأحواض الماء، ومعاهد الآداب والفنون، "وسكانها من ذوي اليسار وبينهم أسر على ثراء عظيم؛ وتكثر بالمدينة الفاكهة والأزهار… وللناس مظهر رقيق يلبسون أردية الحرير اللامعة؛ وحديثهم…واضح يوحي بالمعاني، وهم منقسمون نصفين متعادلين، نصف يتبع الأرثوذكسية في الدين، ونصف آخر يمقت هذه الرجعية الدينية"(41)، ويقول "إلْفِنْستون" : "إن الممالك الهندية التي ثل المسلمون عروشها كانت من الثراء بحيث كَلَّ المؤرخون عن ذكر ما غنمه الغزاة هناك من جواهر هائلة المقدار ونقود كثيرة"(42)، ووصف "نِكُولو كونتي" ضفاف الكنج (حوالي سنة 1420م) فقال إنها تمتلئ بصف من

 

 

 

 

  صفحة رقم : 812  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> منتجو الثروة

 

 

المدن الزاهرة واحدة في إثر أخرى، وكلها حسن التخطيط غني بالحدائق والبساتين والفضة والذهب والتجارة والصناعة(43)؛ وكانت خزينة "شاه جهان" مفعمة بما فيها حتى لقد احتفر تحت الأرض غرفتين قويتين، سعة كل منهما 000ر150 قدماً مكعبة، وتكاد تمتلئ بالفضة والذهب(44) ويقول "فنسنت سمث" : "إن الشواهد المعاصرة لذلك الزمن لتقطع باليقين الذي لا يعرف الشك أن سكان الحضر الذين كانوا يسكنون أهم المدن، كانوا من ذوي اليسار"(45)، ووصف الرحالة مدينتي "أجرا" و"فتحبور سكرى" بأن كلاً منهما أعظم من لندن وأعرض منها ثراء(46)؛ ولقد ألفى "أنكتيل دوبرون" نفسه حين طاف بأقاليم "الماهاراتا" سنة 1760م "وسط العصر الذهبي ببساطته وسعادته.. فقد كان الناس باسمين أقوياء وفي صحة جيدة"(47)، وزار "كلايف" مرشد أباد سنة 1759م فقال إن تلك العاصمة القديمة للبنغال تساوي لندن التي عرفها في عصره مساحة وعدد سكان وثراء، وفيها من القصور ما لا تقاس إليه قصور أوربا، ومن الأغنياء رجال لا يدنو منهم غنيٌّ في لندن(48)، ويقول "كلايف": "كانت الهند قطراً لا ينفد ثراؤه"(49)، ولقد حاكمه مجلس النواب على الإسراف في الأموال التي اغتصبها لنفسه، فدافع كلايف عن نفسه في براعة، إذ جعل يصف الغنى الذي وجد نفسه محاطاً به في الهند- فمدنٌ غنية تعرض عليه أي مبلغ أراد ليجنيها من فوضى النهب، وأغنياء يفتحون له أسراباً تكدس فيها الذهب والجواهر أكداساً أكداساً ليأخذ منها ما أراد، ثم ختم دفاعه قائلاً: "إنني في هذه اللحظة أقف هاهنا دهشاً كيف قنعت بالقليل الذي أخذت"(50)

 

 

 

 

  صفحة رقم : 813  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

 

تنظيم المجتمع

 

 

 

 

الملكية - القانون - تشريع مانو - تطور نظام الطبقات - نشأة

 

 

 

 

البراهمة - امتيازاتهم ونفوذهم - واجباتهم - دفاع عن نظام الطبقات

 

 

لما كانت الطرق رديئة والمواصلات عسيرة، كان غزو الهند أيسر من حكمها؛ فلقد حتمت طبيعة سطحها أن تظل هذه البلاد الشبيهة بأن تكون قارة بأسرها، خليطاً من دويلات مستقل بعضها عن بعض، حتى جاءتها السكك الحديدية فوصلت ما تفرق من أجزائها؛ وفي مثل هذه الظروف لا يمكن لحكومة أن تضمن لنفسها البقاء إلا بجيش قوي؛ ولما كان الجيش بحاجة إلى قائد مستبد الرأي ليحكمه بكلمة منه دون التأثر بفصاحة الكلام يقوله غيره في شئون السياسة، فإن صورة الحكومة التي تكونت في الهند هي الملكية بطبيعة الحال؛ ولقد تمتع الناس بقدر كبير من الحرية في ظل الأسرات الحاكمة الوطنية، وذلك من جهة يرجع إلى الاستقلال الذاتي الذي كانت تتمتع به القرى في الريف ونقابات العمال في المدن، كما يرجع من جهة أخرى إلى القيود التي فرضتها الطبقة الأرستقراطية البرهمية على سلطة الملك(51)؛ وإنك لتجد في قوانين "مانو" تعبيراً عن الأفكار الرئيسية في الهند عن الملكية، على الرغم من أن تلك القوانين أقرب إلى التشريع الخلقي منها إلى التشريع القانوني لأوضاع الحياة الجارية؛ فعندهم إن الملكية ينبغي أن تكون قوية الشكيمة في حياد، وأن ترعى مصالح الناس رعاية الوالد لولده(52)؛ غير أن الحكام المسلمين كانوا أقل مبالاة من أسلافهم الهنود بهذه المثل العليا وهذه القيود؛ لأنهم كانوا أقلية فاتحة، فأقامت حكمها صراحة على تفوقها العسكري؛ فيقول مؤرخ مسلم في وضوح جميل: "إن

 

 

 

 

  صفحة رقم : 814  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

الجيش هو عدة الحكومة وعتادها"(53)، وقد كان أكبر شذوذاً في هؤلاء الحكام المسلمين، لأنه اعتمد قبل كل شئ على رضى الشعب لازدهاره تحت حكومته المستبدة في اعتدال ورحمة؛ ولعل حكومته في ظروفها كانت خير حكومة يمكن قيامها، وأهم عيوبها - كما أسلفنا - هو اعتمادها على شخصية الملك، لأن السلطة العليا المتركزة في يد الحاكم كانت خيراً في عهد "أكبر" لكنها كانت شراً مستطيراً في عهد "أورنجزيب"؛ ولما كان الحكام الأفغان والمغول قد ارتفعوا إلى سلطانهم بالعنف، فقد كانوا دائماً عرضة إلى الهبوط عن سلطانهم بالاغتيال، وكادت الحروب التي تشن ليحل ملك مكان آخر، تكلف من النفقات ما تكلفه الانتخابات في عصرنا الحديث، ولو أن تلك الحروب لم تكن عقبة في سبيل اضطراد الحياة الاقتصادية كما هي الحال مع انتخاباتنا اليوم .

لم يكن القانون في ظل الحكام المسلمين إلا إرادة الإمبراطور أو السلطان؛ وأما في ظل الملوك الهنود فقد كان مزيجاً مضطرباً من الأوامر الملكية ومن تقاليد القرى وقواعد الطبقات وكان الذي يتولى القضاء رئيس

 

 

 

 

  صفحة رقم : 815  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

الأسرة، أو رئيس القرية، أو شيوخ الطبقة، أو محكمة النقابة، أو مدير الإقليم أو زير الملك أو الملك نفسه(55) على أن المحاكمة كانت سريعة الإجراء سريعة الحكم، ولم تعرف البلاد نظام المحاماة في القضايا على أيدي رجال القانون إلا بعد قدوم البريطانيين(56) وكان التعذيب مألوفاً في عهود الأسرات الحاكمة كلها حتى ألغاه "فيروزشاه"(57) والموت هو العقوبة في عدد كبير جداً من الجرائم، فقد كانوا يعاقبون به سرقة المنازل وإتلاف أملاك الملك خاصة، أو السرقة على النطاق الذي نراه اليوم يجعل من السارق عموداً من عمدان المجتمع؛ وكانت سائر ألوان العقاب قاسية تشمل بين أنواعها بتر الأيدي والأقدام والأنوف والآذان وفقء الأعين وصب الرصاص المصهور في الحلوق وتهشيم عظام الأيدي والأقدام بمطرقة خشبية وإحراق الجسم بالنار وإنفاذ المسامير في الكفوف والأقدام والصدور، وقطع أعصاب المفاصل ونشر الناس بمناشير الخشب ثم قطع جسومهم أجزاء وإنفاذ القضبان المسنونة فيهم وشويهم على النار أحياء وقذفهم تحت أقدام الفيلة لتدقهم دقاً حتى يموتوا أو رميهم فريسة للكلاب المتوحشة الجائعة .

ولم يكن هناك تشريع قانوني واحد يشتمل الهند بأسرها، فكان يحل محل القانون في شئون الحياة اليومية ما يسمونه "ذارماشاسترا" أي النصوص العرفية التي تفصل ما للطبقات من نظم وواجبات، والذي كتب هذه النصوص رجال من البراهمة،كتبوها من وجهة نظر برهمية خالصة؛ وأقدم هذه النصوص ما يسمى "بتشريع مانو" ؛ ومانو هذا هو السلف الأسطوري الذي تسلسلت عنه جماعة المانوية (أو مدرستها الفكرية) المؤلفة من براهمة بالقرب من دلهي؛ وقد صورته هذه النصوص ابناً لله يتلقى القوانين من براهما نفسه(59) وهذا التشريع مؤلف من 2685 بيتاً من الشعر، كانوا يرجعونه إلى سنة 1200 ق.م، لكن الباحثين اليوم يردونه إلى القرون الأولى بعد ميلاد المسيح(60)

 

 

 

 

  صفحة رقم : 816  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

ولقد أريد بهذا التشريع بادئ الأمر أن يكون بمثابة الدليل أو الكتاب الصغير الذي يرشد براهمة المانوية هؤلاء إلى أوضاع السلوك الصحيح، لكنه أخذ على التدريج يتطور فيصبح تشريعاً يحدد قواعد السلوك للمجتمع الهندي كله، وعلى الرغم من أن ملوك المسلمين لم يعترفوا به قط، إلا أنه اكتسب كل ما للقانون من قوة داخل حدود نظام الطبقات، وستتبين خصائص هذا التشريع إلى حد ما خلال الصفحات الآتية بما أوردناه فيها من تحليل للمجتمع الهندي وأخلاقه، لكنه على وجه العموم كان يتسم بمظهر خرافي من حيث قبوله لمبدأ المحاكمة بالمحنة وتطبيقه تطبيقاً متزمتاً لقانون العين بالعين والسن بالسن، وإشادته مرة بعد مرة بطبقة البراهمة في فضائلها وحقوقها ونفوذها(62)، وكان من تأثير هذا الكتاب أن زاد زيادة عظيمة من سيطرة نظام الطبقات على المجتمع الهندي.

كان هذا النظام الطبقي قد ازداد تزمتاً وتعقيداً منذ العصر الفيدي، لأن طبيعة النظم الاجتماعية من شأنها أن تزيد تلك النظم صلابة على مر الزمن، ولأن اجتياح الهند- من جهة أخرى- بالشعوب الأجنبية والعقائد الخارجية قد زاد من صلابة نظام الطبقات ليقوم سداً قوياً يحول دون امتزاج دم المسلمين بدم الهنود، فقد كان أساس الطبقات في العصر الفيدي هو اللون، ثم أصبح الأساس في العصور الوسطى الهندية هو المولد، وكان معنى التقسيم الطبقي شيئين،

 

 

 

 

  صفحة رقم : 817  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

معناه من جهة وراثة الوضع الاجتماعي، ومعناه من جهة أخرى قبول كتاب "ذارما"- أي قبول ما تفرضه التقاليد على أفراد كل طبقة من التزامات وصنوف أعمال.

وعلى رأس الطبقات وأكبر المستفيدين من نظامها، وهم الثمانية ملايين من ذكور طبقة البراهمة(63)؛ وكانت طبقة البراهمة هذه قد أصابها الضعف حيناً من الزمن بسبب نهضة البوذية في عهد "أشوكا" لكن البراهمة بما كان لهم من دأب وصبر يتصف بهما الكهنة على اختلاف أوطانهم، مالوا للحوادث، ثم استعادوا نفوذهم وسيادتهم في ظل ملوك "جوبتا" ؛ وما نزال نرى وثائق منذ القرن الثاني بعد الميلاد بمنح عظيمة - خصوصاً إقطاعيات من الأرض - توهب لطبقة البراهمة وكانت هذه المنح - شأنها شأن أملاك البراهمة كلها - معفاة من الضرائب حتى جاء البريطانيون(66) فتشريع مانو يحذر الملك من فرض ضريبة على برهمي، حتى إن نضبت كل موارد المال الأخرى، لأن البرهمي إذا ما أثار غضبه يستطيع أن يسحق الملك وجيشه جميعاً بتلاوة لعنات ونصوص سحرية(67)؛ ولم يكن من عادة الهنود أن يوصوا بشيء قبل موتهم فيما يختص بميراثهم، لأن من تقاليدهم أن أملاك الأسرة لا بد أن تظل ملكاً مشاعاً للأسرة كلها، وهي تنتقل انتقالاً آلياً من موتى الذكور في الأسرة إلى أحيائهم لكن الأوربيين بما يسودهم من نزعة نحو الفردية، لم يكادوا يدخلون في الهند نظام الوصايا، حتى رحب به البراهمة ترحيباً عظيماً، ليتخذوا منه حيناً بعد حين وسيلة للاستيلاء على الأراضي لأغراض كهنوتية(70) وكان أهم عنصر في تقديم القرابين للآلهة هو الرسوم التي تدفع للكاهن المشرف على إقامة الطقوس الخاصة بذلك، ورأس التقوى كلها هو السخاء في دفع تلك الرسوم(71) وكذلك كان من موارد الكهنة الخصبة الإتيان بالمعجزات

 

 

 

 

  صفحة رقم : 818  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

وغير ذلك من ألوف الخرافات، فلقاء رسم معين يستطيع البراهمي أن يجعل من العاقر ولوداً، ونظير أجر معلوم ينبئ البرهمي بما خط في لوح القدر؛ وكان البراهمة يستخدمون رجالاً يطلبون إليهم أن يتظاهروا بالجنون وأن يعترفوا بأن هذا المس الذي أصابهم إنما جاءهم جزاء وفاقاً لما قتروا في العطاء للكهنة؛ وكان الرجل من البراهمة يقصد في كل حالات المرض أو المحاكمات أو حالات التشاؤم ببعض النذر السيئة أو الأحلام المزعجة أو البدء في مشروع جديد، كان الرجل من البراهمة يقصد في كل تلك الحالات طلباً لمشورته، وللمشير أجر مشورته(72).

وكان البراهمة يستمدون نفوذهم من احتكارهم للعلم، فهم القائمون على صيانة التقاليد وهم الذين يدخلون على تلك التقاليد ما شاءوا من تعديل؛ وهم الذين يتولون تربية النشء، ويكتبون الأدب أو يقومون على نشر المكتوب منه، وهم الخبراء بكتب الفيدا التي هبط بها الوحي ولا يأتيها الباطل؛ ولو أنصت رجل من طبقة "الشودرا" إلى تلاوة الكتب المقدسة، امتلأت أذناه بالرصاص المصهور (هكذا تقول كتب القانون البرهمية)، وإن تلاها هو انشق لسانه، ولو حفظ شيئاً منها قطع جسده نصفين(73)، هذه النذر وأمثالها - التي لم توقع فعلاً إلا في حالات نادرة - هي التي كان يلجاً إليها الكهنة ليصونوا لأنفسهم العلم فلا يشاركهم فيه معتد؛ وهكذا أصبحت البرهمية مذهباً خاصاً بفئة معينة تحيط نفسها بسياج، لا تأذن لأحد من غير أفرادها أن يسهم في العلم به(74) وينص تشريع مانو على أن يكون من حق البرهمي سيادته على سائر الكائنات(75) على أن الفرد منهم لم يكن ليتمتع بكل ما للبراهمة من نفوذ وامتيازات حتى ينفق في مرحلة الاستعداد أعواماً كثيرة، وبعدئذ "يولد ولادة جديدة" وتجري له طقوس الخيط الثلاثي(76)، فإذا ما تم له ذلك، أصبح منذ هذه اللحظة كائناً مقدساً، وأصبح شخصه وملكه مما لا يجوز عليه الاعتداء؛ بل يذهب "مانو" في ذلك بعيداً فيقرر أن "كل

 

 

 

 

  صفحة رقم : 819  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

ما هو كائن في الوجود ملك للبراهمة"(77)؛ وكان لا بد لصيانة الطبقة البراهمية من منح عامة وخاصة - وهي لا توهب لهم على سبيل الإحسان، بل من باب الواجب المقدس(78) وكان السخاء في العطاء للبرهمي من أسمى الواجبات الدينية؛ ويستطيع البرهمي الذي لا يجد ترحيباً كريماً في أحد المنازل أن يُذهِبَ عن صاحب البيت كل ما كان استحقه من جزاء عن حسناته السابقة جميعاً ولو اقترف البرهمي كل جريمة ممكنة، لما حَقَّ عليه القتل، فللملك أن ينفيه، لكن لا بد له أن يأذن بالاحتفاظ بملكه(82) ومن حاول أن يضرب برهمياً، كان لزاماً عليه أن يصلى عذاب النار مائة عام، وأما من ضرب برهمياً بالفعل، فقد حقت عليه الجحيم ألف عام(83) وإذا اعتدى رجل من الشودرا على عفاف زوجة رجل من البراهمة، صودرت أملاكه وحكم عليه بالخصي(84) وإذا قتل رجل من الشودرا زميلاً له من الشودرا، كان له أن يكفر عن جريمته بعشر بقرات يهبها للبراهمة، فإذا قتل أحداً من "الفيزيا" كانت كفارته للبراهمة مائة بقرة، وإذا قتل أحداً من "الكشاترية" ارتفعت كفارته إلى ألف بقرة يعطيها للبراهمة، أما إذا قتل برهمياً فلا بد من قتله، ذلك لأن جريمته القتل عندهم لم تكن إلا بقتل برهمي(85).

وكان على البرهمي في مقابل هذه الامتيازات أعمال والتزامات كثيرة وفادحة؛ فلم يكن يقوم بواجبات الكاهن العملية وكفى ، لكنه كان إلى جانب ذلك يعد نفسه للمهن الكتابية والتربوية والأدبية، وكان ينتظر منه

 

 

 

 

  صفحة رقم : 820  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

أن يدرس القانون وأن يحفظ كتب الفيدا وكل واجب آخر من واجباته، إنما يأتي بعد ذلك في الأهمية(86)، ولو لم يستطع البرهمي سوى إن يتلو كتب الفيدا، فإنه بذلك وحده يصبح جديراً بطمأنينة النفس بغض النظر عما قام به غير ذلك من طقوس أو إنتاج(87)، أما إن حفظ عن ظهر قلب كتاب "رج فيدا" ، فإنه يستطيع بعد ذلك أن يحطم العالم تحطيماً دون أن يعد ذلك منه اقترافاً لجريمة(88)، وليس من حقه أن يتزوج خارج طبقته، فإن تزوج امرأة من طبقة الشودرا، عد أبناؤه من الطبقة الدنيا، طبقة "الباريا" ، وفي ذلك جاء في كتاب مانو : "إن الرجل الطيب العنصر بمولده إنما يفسد عنصره بصحبة الأَدْنين، أما من كان دنياً بمولده فيستحيل أن يسمو بصحبة الأعلين"(89)، كان على البرهمي أن يستحم كل يوم، وأن يعود فيستحم مرة أخرى إذا حلق له حلاق من الطبقة الدنيا؛ وعليه أن يطهر المكان الذي أعده لنومه بروث البقر، ولا بد له أن يراعي طقوساً صحية دقيقة في مباشرته لضرورات طبيعته(90)، ومحتوم عليه أن يمتنع عن أكل البصل والثوم ونبات الفطر ونبات الكرات؛ ولم يكن يجوز له أي ضرب من ضروب الشراب غير الماء، ويشترط أن يستخرجها وأن يحملها برهمي(91)، وتحرم عليه صنوف الدهون والعطور واللذة الحسية والجشع والغضب(92)، وإذا مس شيئاً نجساً، أو لمس أجنبياً (حتى إن كان ذلك الأجنبي هو الحاكم العام للهند) كان لا بد له من أن يطهر نفسه بالوضوء الذي تحدده الطقوس، ولو اقترف إثما، كان لزاماً عليه أن يتقبل عقاباً أعنف مما يقع على مرتكب الإثم نفسه من طبقة دنيا؛ فمثلاً لو سرق رجل من طبقة الشودرا شيئاً، حكم عليه أن يدفع غرامة

 

 

 

 

  صفحة رقم : 821  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

قدرها ثمانية أمثال قيمة الشيء المسروق، وإذا سرق رجل من طبقة " الفيزيا " شيئاً دفع غرامة تساوي ستة عشر مثلاً، والرجل من "الكشاترية" يدفع اثنين وثلاثين مثلاً، وأما البرهمي فيدفع غرامة قدرها أربعة وستين مثلاً؛ وكان يستحيل على البرهمي أن يؤذي كائناً حياً(93).

وأخذت قوة الكهنة تزداد من جيل إلى جيل حتى أصبحوا أطول ما عرفه التاريخ من طبقات الأرستقراطية بقاء على وجه الدهر، وذلك لاعتدالهم في مراعاة هذه القواعد من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنهم وجدوا شعباً أثقلته فلاحة الأرض فأخضعته لتقلبات الجو التي بدت لهم كأنها تقلبات أهواء شخصية، فشغلهم ذلك كله عن النهوض بأنفسهم من الخرافة إلى نور العرفان؛ فيستحيل أن تجد هذه الظاهرة العجيبة في أي مكان آخر غير الهند - وهي ظاهرة نموذجية تمثل بطء التغير في الهند - وأعني بها أن تظل طبقة عليا محتفظة بامتيازاتها وعلو مكانتها على مر العصور بكل ما شهدته من غزوات وأسر حاكمة وحكومات مدى 2500عام؛ ولا ينافسهم طول البقاء إلا "الشاندالا" طريدة الطبقات؛ أما فئة "الكشاترية" القديمة التي كان لها السلطان على الميدان الفكري والسياسي في عهد بوذا، فقد توارت بعد عصر جوبتا؛ وعلى الرغم من أن البراهمة اعترفوا بمحاربي "راجبوت" واعتبروهم بمثابة تطور طرأ على الطبقة المحاربة القديمة، إلا أن الكشاترية - بعد سقوط راجبوتانا- لم يلبثوا أن زالت دولتهم، وأخيراً لم يبق إلا طائفتان كبيرتان، وهما طائفة البراهمة التي كانت طبقة الحكام في الهند من الناحية الاجتماعية والفكرية، ثم يأتي تحتهم ثلاث آلاف طبقة هي في حقيقة الأمر عبارة عن النقابات الصناعية .

ولو استثنيت نظام الزوجة الواحدة من حيث إساءة تطبيقه، لجاز لك أن تقول إن نظام الطبقات أكثر النظم الاجتماعية سوء تطبيق، ولولا ذلك لوجدت ما تقوله في الدفاع عن هذا النظام، فله حسنة التصفية الاجتماعية التي تصون ما نزعم أنه دم نقي من الشوائب ومن الانقراض اللذين ينتجان حتماً عن فك

 

 

 

 

  صفحة رقم : 822  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> تنظيم المجتمع

 

 

قيود الامتزاج بالزواج؛ وكذلك لنظام الطبقات حسنة أخرى، وهي تدعيمه لطائفة من عادات الطعام والنظافة التي كان يتحتم على كل إنسان أن يراعيها وأن يسمو إليها صوناً لكرامته؛ وكذلك خلع ثوب النظام على ما بين الناس من تفاوت وفروق، لولاه لأصبحت فوضى بغير ضابط، ووفّر على الناس هذه الحمى التي تطغى عليهم في عصرنا الحديث، حمى الصعود في سلم المجتمع والزيادة من كسب المال؛ ونظم الحياة لكل إنسان بأن حدد له تشريعاً معيناً للسلوك في طبقته، كما أعطى أفراد الطبقة الواحدة وسائل تعينهم على الاتحاد في العمل ضد كل استغلال أو استبداد؛ ثم هيأ نظام الطبقات أيضاً مهرباً من الطغيان أو الدكتاتورية العسكرية اللذين لا محيص عن أحدهما بديلاً للأرستقراطية، وأتاح لبلد حرم الاستقرار السياسي بسبب ما قاساه من مئات الغزوات والثورات أتاح له نظاماً واستقراراً في شؤونه الاجتماعية والخلقية والثقافية، لم ينافسه فيهما بلد آخر إلا الصين؛ ولقد طرأ على الدولة مئات التغيرات الفوضوية، لكن البراهمة احتفظوا باستقرار المجتمع بفضل نظام الطبقات، وبهذا احتفظوا بالمدنية وزادوا منها ونقلوها إلى الخلَف، واحتملتهم الأمة صابرة، بل احتملتهم فخورة بهم، لأنه لم يغب عن إنسان واحد أنهم في النهاية هم القوة الحاكمة التي ليس للهند عنها محيص.

 

 

 

 

  صفحة رقم : 823  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> حياة الشعب -> الأخلاق والزواج

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة الحضارة - ول ديورانت | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

 



f_alnashwan@hotmail.com