ننفرد بين جميع المدونات بنشر كتاب ( لا تحزن ) للشيخ

 عائض القرني حفظه الله على صورة حلقات  ....

 

 

 

 

موسوعة قصة الحضارة - ول ديورانت - ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود - 24

كتبهافايـز سالم النشوان ، في 14 مارس 2007 الساعة: 11:46 ص

صفحة رقم : 704  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

 

الباب الخامس عشر

 

 

 

 

بوذا

 

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

 

الزنادقة

 

 

 

 

المتشككون - العدميون - السوفسطائيون -

 

 

 

 

الملحدون - الماديون - ديانات بغير إله

 

 

إن أسفار اليوبانشاد نفسها تدل على أنه قد كان بين الناس متشككون حتى في أيام اليوبانشاد؛ فقد كان الحكماء أحيانا يسخرون من الكهنة، مثال ذلك في سفر "شاندوجيا" من أسفار اليوبانشاد، تشبيه لرجال الدين المتشددين في تمسكهم بالعقيدة إذ ذاك بموكب من الكلاب أمسك كل منها ذيل سابقه، وهو يقول في ورع : "أم دعونا نأكل، أم دعونا نشرب"(1) ، وفي سفر "سواسانفد" من أسفار اليوبانشاد تصريح بأنه لا إله، ولا جنة، ولا نار، ولا تناسخ، ولا عالم؛ وإن أسفار الفيدا واليوبانشاد ليست إلا تأليفاً من عند جماعة من الحمقى المغرورين، وأن الأفكار أوهام والألفاظ كلها باطلة، وأن من تخدعهم العبارات البراقة يتمسكون بالآلهة، وبالمعابد، و "بالقديسين" مع أنه لا فرق في حقيقة الواقع بين "فشنو" (الإله) وبين كلب من الكلاب(2)، وإن قصة لتروى عن "فيروكانا" الذي عاش اثنين وثلاثين عاماً تلميذاً للإله العظيم "براجاباتي" نفسه، وأنه تعلم علماً كثيراً عن النفس "التي خلصت" من الشرور، والتي لا تشيخ، ولا تموت، ولا تحزن، ولا تجوع، ولا تظمأ، والتي لا ترغب إلا في الحق، ثم عاد "فيروكانا" بغتة إلى الأرض وطفق يعلم

 

 

 

 

  صفحة رقم : 705  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

الناس هذا المذهب الآتي الذي هو فضيحة الفضائح : "حياة الإنسان إنما تسعد هاهنا على الأرض، ونفس الإنسان لا بد من إشباع رغباتها، فمن استطاع أن يسعد نفسه على هذه الأرض، وأن يشبع رغبات نفسه، كسب الدارين معاً، هذه الحياة الدنيا والحياة الآخرة"(3)، وإذن فقد يكون البرهميون الصالحون الذين صانوا تاريخ بلادهم، قد خدعونا قليلاً حين أفهمونا أن نزعة التصوف والتقوى بين الهندوس كانت عامة لم يشذ عنها أحد.

والحق أنه كلما كشف لنا البحث العلمي عن شخصيات لم تكن في المنزلة العليا من احترام الناس، ممن اشتغلوا بالفلسفة الهندية قبل بوذا، ارتسمت لنا صورة تبين لنا إلى جانب القديسين السابحين في تأملاتهم عن إلههم "براهما"، طائفة من الأشخاص احتقرت الكهنة وشكت في الآلهة، وسميت- دون أن ترتاع لهذا الاسم- سميت بطائفة "اللا أدريين" و "العدميين"؛ فمثلاً رفض "سانجايا" اللا أدري أن يثبت أو أن ينفي الحياة بعد الموت، وتشكك في إمكان حصول الإنسان على العلم اليقيني، وحصر الفلسفة في محاولة استتباب السلام؛ كذلك أبى "بورانا كاشيابا" أن يعترف بالفوارق الخلقية، وعلم الناس أن الروح عبد للمصادفة لا يملك لها دفعاً؛ وذهب "ماسكارين جوسالا" إلى أن القدر قد خط في لوحه كل شئ يصيبه الإنسان بغض النظر عما هو جدير به حقاً؛ ورد "أجيتا كاسا كامبالين" الإنسان إلى عناصر هي التراب والماء والنار والهواء، وقال : "إن الحمقى وأرباب الحكمة يتشابهون إذا ما تحلل الجسد، فكلاهما يزول وينعدم ولا يكون له وجود بعد الموت"(4)، ولقد صور لنا مؤلف "رامايانا" صورة نموذجية للمتشكك حين صور لنا "جابالي" الذي جعل يسخر من راما" لأنه رفض مملكة ليفي بوعد تعهد بالوفاء به :

"جابالي وهو برهمي عالم وسوفسطائي مهر في الكلام، تشكك في الإيمان وفي القانون والواجب، وراح يحدث سيد أيوذيا الشاب قائلاً :

 

 

 

 

  صفحة رقم : 706  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

 

 

أنى لك يا "راما" هذه الحكم السخيفة التي ترين على قلبك وتكتنف عقلك. 

 

 

 

 

هذه الحكم التي تضلل السذج ومن لا يتعمقون التفكير من بني الإنسان …؟ 

 

 

 

 

أواه، إني لأبكي من أجل هؤلاء الفانين من الناس حين يخطئون فيكبون على واجب باطل. 

 

 

 

 

ويضحون بهذه المتعة الحبيبة إلى النفس حتى تنقضي حياتهم القاحلة. 

 

 

 

 

وما ينفكون يقدمون العطايا للآلهة وللأسلاف؛ ياله من ضياع للطعام! 

 

 

 

 

لأنه لا الإله ولا السلف يأخذ منا هذا الذي نقدمه إليه في ولاء وتقوى! 

 

 

 

 

وهل إذا أكل الطعام آكل، تغذى به ناس آخرون؟ 

 

 

فهذا الطعام تقدمونه لبرهمي، هل يمكن له إذن أن يشبع الآباء السالفين؛ إن الكهنة بخبثهم قد صاغوا هذه الحكم، وهم يقولون إذ هم ينظرون إلي أغراض أنانية:

 

 

"قدم قربانك وتب إلى الله؛ واترك مالك الدنيوي وأخلص للصلاة!" 

 

 

 

 

كلا، يا "راما" ليس هناك حياة آخره، وكلها أباطيل 

 

 

 

 

هذه الآمال وهذه العقائد عند الإنسان 

 

 

 

 

فابحث عن لذائذ الحاضر، واطرد عن نفسك هذه الأوهام العابثة الواهية(5) 

 

 

ولما شب بوذا رجلاً، وجد القيعان والشوارع بل وجد الغابات في شمال الهند، تتجاوب كلها بأصداء نزاع فلسفي، كان في جملته ينحو نحواً إلحاديا مادياً. وإنك لترى الأسفار الأخيرة من "يوبانشاد"، كما ترى أقدم الأسفار البوذية ملئاً بالإشارات إلى هؤلاء الزنادقة(6)؛ فقد كان هناك طائفة كبيرة من السوفسطائيين الجوالين- ويسمونهم باريباجاكا أو المتجولين- تنفق أحسن أيام السنة في الرحلة من مكان إلى مكان، باحثة لها عن تلاميذ أو معارضين في البحث الفلسفي؛ وبعضهم كان يعلم المنطق على أنه الفن الذي تستطيع به أن

 

 

 

 

  صفحة رقم : 707  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

تبرهن على أي شئ ، ولذلك أطلق عليهم بحق اسم "من يشققون الشعرة" أو "من يتلون تلوي ثعابين الماء"؛ وآخرون طفقوا يبرهنون على عدم وجود الله وعدم ضرورة اصطناع الفضيلة؛ وكانت جموع كبيرة من الناس تحتشد لتسمع أمثال هذه المحاضرات والمناقشات، وبنيت قاعات لهم خاصة، وكان الأمراء أحيانا يكافئون الظافرين في أمثال هذه الحلبات الفكرية(7)؛ حقاً لقد كان عصراً يدهشك بحرية فكره، وبألوان التجارب التي أجراها أهله في عالم الفلسفة.

ولم يبق لنا كثير مما قاله هؤلاء المتشككة، والفضل في خلود ذكراهم يرجع كله تقريباً إلى ما هاجمهم به أعداؤهم(8)، وأقدم اسم بين تلك الطائفة هو "بريهاسباتي"، لكن أقواله الهدامة قد فنيت كلها، بحيث لم يبق لنا منها إلا قصيدة واحدة تحط من شأن الكهنة في لغة لا يشوبها غموض الميتافيزيقا:

 

 

ليس للجنة وجود، وليس هناك خلاص أخير؛ 

 

 

 

 

فلا روح، ولا آخرة، ولا طقوس للطبقات … 

 

 

 

 

إن فيدا ذات الوجوه الثلاثة، وأمر الإنسان لنفسه بلغات ثلاث؛ 

 

 

 

 

وهذه التوبة بكل ما فيها من تراب ورماد. 

 

 

 

 

كل هذه وسائل عيش لقوم 

 

 

 

 

خلوا من الذكاء والرجولة … 

 

 

 

 

كيف يمكن لهذا الجسد إذا ما أصبح تراباً 

 

 

 

 

أن يعود إلى الظهور على الأرض؟ وإذا كان في وسع الشبح أن يمضي 

 

 

 

 

إلى عوالم أخرى، فلماذا لا يجذبه الحب الشديد 

 

 

 

 

لمن يخلفهم وراءه ، فيرجعه إليهم؟ 

 

 

 

 

إن هذه الطقوس الغالية التي تقام لمن يموتون 

 

 

 

 

ليست إلا وسائل عيش دبّرها 

 

 

 

 

 

 

  صفحة رقم : 708  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

 

 

دهاء الكهنة- لا أكثر من ذلك … 

 

 

 

 

فما دمت حياً، أنفق حياتك مطمئن البال 

 

 

 

 

مرح النفس؛ ليقترض الإنسان مالا 

 

 

 

 

من أصدقائه جميعاً، ويطعم نفسه بالزبد المذاب. 

 

 

وعلى أساس القواعد التي أذاعها "بريهاسباتي" هذا، نشأت مدرسة هندوسية مادية بأسرها، أطلق عليها اسم واحد من رجالها، وهو "شارفاكا" وكان أتباع هذه المدرسة يضحكون من سخف الرأي القائل : أن أسفار الفيدا قد احتوت على الحق كما أوحى به الله، وقالوا في حجاجهم إن الحق يستحيل معرفته إلا عن طريق الحواس؛ وحتى العقل لا يجوز الركون إليه والثقة به، لأن كل استدلال عقلي لا يعتمد في صوابه على الملاحظة الدقيقة والتدليل الصحيح فحسب، بل يعتمد كذلك على افتراض أن المستقبل سيجيء على غرار الماضي؛ واليقين في مثل هذا الافتراض مستحيل، كما كان "هيوم" ليقول في الموضوع عندئذ(10)؛ قال فريق "الشارفاكا" إن ما لا تدركه الحواس ليس له وجود، وإذن فالروح وهم من الأوهام والإله "أتمان" أبطولة من الأباطيل؛ أننا لا نصادف في تجاربنا ولا في تجارب السالفين، إذ نستبطن أنفسنا، أية علامة تدل على وجود قوى خارقة للطبيعة في العالم؛ كل الظواهر طبيعية، ولا يردها إلى الشياطين أو الآلهة إلا السذج(11)؛ والمادة هي وحدها الحقيقة التي لا حقيقة سواها؛ والجسم مجموعة من ذرات اجتمع بعضها ببعض(12) وما العقل إلا مادة تفكر؛ والجسم- لا الروح- هو الذي يشعر ويرى ويسمع ويفكر(13) "من ذا الذي رأى روحاً موجودة في استقلال عن الجسم؟" فليس هناك خلود ولا عودة إلى الحياة؛ والدين كله تخليط وهذيان وسفسطة خادعة؛ وافتراض وجود الله لا ينفع شيئاً في شرح العالم أو فهمه، وإذا اعتقد الناس بضرورة الدين، فما ذاك إلا لأنهم تعوّدوه، ولذا فهم يحسون كأنما ضاع منهم ضائع، ويشعرون كأنهم في خلاء لا تطمئن

 

 

 

 

  صفحة رقم : 709  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> الزنادقة

 

 

له النفوس، حين تنمو معارفهم نمواً يهدم العقيدة الدينية(14)؛ وكذلك الأخلاق أمر طبيعي؛ فهي عرف اجتماعي ووسيلة لراحة العيش في المجتمع، وليست بالأمر الصادر من الله؛ والطبيعة لا تأبه لخير أو لشر، لفضيلة أو رذيلة، وهي تشرق بشمسها في غير تفرقة بين الأوغاد والقديسين؛ فلو كان للطبيعة صفة أخلاقية إطلاقاً، فهي منافاتها للأخلاق كما تعرفها حدود البشر؛ ولا حاجة بالإنسان إلى إلجام غرائزه وشهواته، لأن هذه هي الإرشادات التي رسمتها الطبيعة للناس؛ الفضيلة غلطة من الغلطات، وغاية الحياة هي أن تعيش، والحكمة الوحيدة هي أن تعيش سعيداً(15).

كانت الفلسفة الثائرة التي أخذ بها فريق "الشارفاكا" ختاماً لأسفار الفيدا وأسفار اليوبانشاد؛ وزعزعت سلطة البراهمة على العقل الهندي، وتركت في المجتمع الهندوسي فراغاً كاد يضطر الناس اضطراراً أن يصطنعوا لأنفسهم ديناً جديداً؛ لكن أنصار المذهب المادي هؤلاء كانوا قد أجادوا أداء مهمتهم إجادة جعلت الديانتين اللتين نشأتا لتحلا محل العقيدة الفيدية، ديانتين ملحدتين، أو عقيدتين تعبديتين بغير إله- ولو أن هذا القول قد يبدو للقارئ تناقضاً- فكلتا الديانتين الجديدتين كانتا شعبتين من الحركة الهدامة؛ وكلتاهما لم تكونا من إنشاء الكهنة البراهمة، بل ابتدعهما فريق من "الكشاترية" أي طبقة المقاتلين، ليردوا بهما فعل اللاهوت والطقوس الكهنوتية؛ وبظهور هاتين الديانتين، وهما الجانتية والبوذية، بدأ التاريخ الهندي عصراً جديداً.

 

 

 

 

  صفحة رقم : 710  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> ماهافيرا والجانتيون

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

 

ماهافيرا والجانتيوُّن

 

 

 

 

البطل العظيم - العقيدة الجانتية - تعدد

 

 

 

 

الآلهة والشرك بالله - التقشف - الخلاص

 

 

 

 

بالانتحار - تاريخ الجانتية في مراحلها الأخيرة

 

 

حول منتصف القرن السادس قبل الميلاد، ولد صبي لرجل ثري من أشراف قبيلة "لِشَّافي" في ضاحية من ضواحي مدينة "فابشالي" في الإقليم الذي يسمى الآن بالإقليم "بهار" . وكان أبواه على ثرائهما ينتميان إلى عقيدة تنظر إلى العودة إلى الحياة على أنها لعنة نزلت بمن يعود، وتنظر إلى الانتحار على أنه ميزة ينعم بها المنتحر؛ فلما أن بلغ وليدهما عامه الحادي والثلاثين، أزهقا روحيهما بجوع متعمد؛ فتأثر ابنهما الشاب تأثراً بلغ منه سويداء نفسه، فأطرح العالم كله وأساليب العيش فيه، وخلع عن جسده كل ثيابه، وضرب في أرجاء الإقليم الغربي من البنغال زاهداً متقشفاً، ينشد تطهير نفسه من أدرانها كما يقصد أن يزداد بسر الوجود فهماً وعلماً، وبعد أن قضى في إنكار ذاته على هذا النحو ثلاثة عشر عاماً، أعلنت جماعة من أتباعه أنه "جنا" (أي قاهر)؛ ومعنى ذلك أنه معلم من عظماء المعلمين الذين يكتب لهم القدر- هكذا كانوا يعتقدون- أن يظهروا على فترات دورية ليهدوا شعب الهند سواء السبيل.

واختار هؤلاء الأتباع لزعيمهم اسماً جديداً هو "ماهافيرا" أو "البطل العظيم"، واتخذوا لأنفسهم اسماً اشتقوه من اسم عقيدتهم، فأطلقوا على أنفسهم اسم "الجانتيين" ؛ ونظم "ماهافيرا" طائفة من رجاله يكونون

 

 

 

 

  صفحة رقم : 711  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> ماهافيرا والجانتيون

 

 

رهباناً عزاباً، وطائفة من النساء يكن راهبات عانسات؛ فلما أن جاءته منيته وهو في الثانية والسبعين من عمره، ترك وراءه أربعة عشر ألفاً من أشياع مذهبه.

وأخذت هذه العقيدة شيئاً فشيئاً تخرج من جوفها مذهباً من أعجب ما شهده تاريخ الديانات من مذاهب؛ فقد بدأ هؤلاء الأتباع بمنطق واقعي، إذ وصفوا المعرفة بأنها لا تتجاوز حدود النسبي الذي يقع في الزمان؛ فكانوا يعلمون الناس أن ليس ثمة حق إلا من وجهة نظر معينة، ولو نظر إلى هذا الحق من وجهات نظر أخرى لكان الأرجح أن يكون باطلاً؛ وكان يلذ لهم دائماً أن يرووا قصة العميان الستة الذين وضعوا أيديهم على أجزاء مختلفة من جسم الفيل، فمن وضع يده على أذنه ظن على أن الفيل مروحة ضخمة لذر الغلال، ومن وضع يده على ساقه قال أن الفيل عمود مستدير كبير(17)، فالأحكام كلها- إذن- محدود بحدود ومشروطة بشروط، وأما الحقيقة المطلقة فلا تتكشف إلا لهؤلاء المخلصين للبشر الذي يظهرون على فترات منتظمة، أو طائفة "الجنا" كما كانوا يسمونهم؛ وليست تنفع أسفار الفيدا لسد هذا النقص، لأنها لم تهبط من إله، وأقل ما يقال في التدليل على ذلك أن ليس هنالك إله؛ وقد قال الجانتيون أنه ليس من الضروري أن نفرض وجود خالق أو سبب أول، فكل طفل يستطيع أن يفند مثل هذا الفرض بقوله إن الخالق الذي لم ُيخْلَق أو السبب الذي لم يسبقه سبب، لا يقل صعوبة على الفهم عن افتراض عالم لم تسبقه أسباب ولم يخلقه خالق؛ وإنه لأقرب إلى المنطق السليم أن نعتقد أن الكون كان موجوداً منذ الأزل، وأن تغيراته وأطواره التي لانهاية لها ترجع إلى قوى كامنة في الطبيعة، من أن تعزو هذا كله إلى صناعة إله(18).

لكن مناخ الهند لا يساعد على عقيدة طبيعية تقوم بين الناس وتثبت، فلما أفرغ الجانتيون السماء من إلهها، لم يلبثوا أن عمروها من جديد بطائفة من القديسين المؤلهين ممن روى أخبارهم تاريخ الجانتين وأساطيرهم، وراحوا

 

 

 

 

  صفحة رقم : 712  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> ماهافيرا والجانتيون

 

 

يعبدونهم مخلصين لهم العبادة مقيمين لهم الشعائر؛ لكنهم اعتبروا هؤلاء المؤلهين أنفسهم خاضعين للتناسخ والتحلل، ولم يعدوهم خالقين للعالم أو سادة عليه يحكمونه بأي معنى من المعاني(19)، وليس معنى ذلك أن الجانتين كانوا يعتنقون مذهباً مادياً خالصاً، لأنهم فرقوا بين العقل والمادة في كل الكائنات، ففي كل شئ ، حتى الأحجار والمعادن، أرواح كامنة، وكل روح تحيا حياتها بغير شائبة تلام عليها، تصبح "بارماتمان"- أو روحاً سامية- وكانت تنجو بذلك من التقمص في جسد آخر، مدى حين، على أنها تتقمص جسدها الجديد إذا ما نالت من الجزاء حقها الموفور، ولا ينعم "بالخلاص" الكامل إلا أعلى الأرواح وأكملها؛ ومن هؤلاء تتكون طائفة "الأرْهات"- أي السادة المعظمين- الذين كانوا يعيشون، مثل آلهة أبيقور، في مملكة بعيدة ظليلة، وهم عاجزون عن التأثير في شئون الناس، لكنهم ينعمون بارتفاعهم عن كل احتمال يؤدي إلى عودتهم إلى الحياة(20).

والطريق المؤدية إلى الخلاص في رأي الجانتيين، هي توبة تقشفية، واصطناع "أهْمِساَ" موفورة كاملة، و"أهمسا" معناها الامتناع عن إيذاء أي كائن حي؛ ولزام على كل متقشف جانتي أن يأخذ على نفسه عهوداً خمسة؛ ألا يقتل كائناً حياً، وألا يكذب، وألا يأخذ ما لم يعطه، وأن يصون عفته، وأن ينبذ استمتاعه بالأشياء الخارجية كلها؛ وفي رأيهم أن اللذة الحسية خطيئة دائماً؛ والمثل الأعلى هو ألا تأبه للذة أو ألم وأن تستغني استغناءً تاماً عن الأشياء الخارجية كلها؛ فالزراعة حرام على الجانتي لأنها تمزق التربة وتسحق الحشرات والديدان؛ والجانتي الصالح يرفض أكل العسل لأنه حياة النحل، ويصفى الماء قبل شرابه خشية أن يقتل ما عساه أن يكون كامناً فيه من كائنات؛ ويغطى فمه حتى لا يستنشق مع الهواء أحياء عالقة في الهواء فيقتلها، ويحيط مصباحه بستار حتى يقي الحشرات لذع النار، ويكنس الأرض أمامه وهو يمشي خوفاً من

 

 

 

 

  صفحة رقم : 713  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> ماهافيرا والجانتيون

 

 

أن تدوس قدمه الحافية على كائن حي فترديه؛ ولا يجوز للجانتي أبداً أن يذبح حيواناً أو يضحي به؛ ولو كان "جانتياً" صميماً أقام المستشفيات والمصحات- كما ترى في احمد أباد- للحيوانات إن هرمت أو أصابها أذى؛ والحياة التي يجوز له أن يزهقها هي حياته دون غيرها؛ فالعقيدة الجانتية تجيز الانتحار ولا تقيم في سبيله العقبات، خصوصاً إذا تم بوسيلة الجوع، لأن ذلك أبلغ انتصار تظفر به الروح على إرادة الحياة العمياء؛ ولقد مات جانتيون كثيرون على هذا النحو، وقادة المذهب يبارحون هذه الدنيا- حتى في عصرنا هذا- بتجويع أنفسهم حتى الموت(21).

إن عقيدة دينية كهذه، قائمة على أساس من الشك العميق في قيمة الحياة والإنكار الشديد لها، كان يمكن أن تجد في الناس شيوعاً في بلد ما فتئت الحياة فيه عسيرة شاقة؛ لكن هذا التطرف في الزهد قد حال دون إقبال الناس عليها حتى في الهند؛ فمنذ ظهور المذهب الجانتي، والجانتيون صفوة مختارة؛ و على الرغم من أن "يوان شوانج" وجدهم عديدي النفر أقوياء الأثر في القرن السابع(22). فإنهم كانوا عندئذ في أوج حياتهم التي سلخت سيرتها في هدوء؛ وحدث سنة 79م أن انشقوا فريقين تفصلهما هوة سحيقة من اختلاف الرأي على موضوع العري؛ ومنذ ذلك الحين، كان الجانتي إما إن يكون منتسباً إلى طائفة "شويتامْبَارا"- أي طائفة ذوي الأردية البيض- وأما أن يكون منتسباً إلى طائفة "ديجامبارا"- أي المتزملين بالسماء، أو ذوي الأجساد العارية؛ وكلتا الطائفتين تلبس الثياب العادية كما يقضي المكان والزمان، وقدّيسوهم وحدهم هم الذين يجوبون الطرقات عراة الأجسام؛ وهذان المذهبان الفرعيان لهما فروع، فطائفة "ديجامبارا" لها أربعة فروع، وطائفة "شويتامبارا" لها أربعة وثمانون فرعاً(23)، ويبلغ عدد أتباع الطائفتين معاً مليوناً وثلاثمائة ألف نسمة من عدد السكان الذين يبلغون ثلاثمائة وعشرين

 

 

 

 

  صفحة رقم : 714  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> ماهافيرا والجانتيون

 

 

مليوناً(24)، ولقد كان غاندي شديد التأثر بالمذهب الجانتي، واصطنع " أهمسا "- ومعناها الامتناع عن إيذاء الكائنات الحية على اختلافها- أساساً لسياسته وحياته، ورضي من الثياب بقطعة صغيرة من القماش تستر ردفيه، ولم يكن يستحيل عليه أن يزهق نفسه جوعاً؛ ومن يدري؟ فلعل الجانتيين يسلكونه في طائفة "الجنا" ، فيعدونه تجسّداً جديداً للروح العظمى التي تتقمص جسداً من لحم على فترات منتظمة من الدهر لتخلص العالم.

 

 

 

 

  صفحة رقم : 715  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> أسطورة بوذا

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

 

أسطورة بوذا

 

 

 

 

بطانة بوذية - الولادة المعجزة - النشأة - أحزان

 

 

 

 

الحياة - الهرب - أعوام التقشف - الهداية -

 

 

 

 

رؤية النرفانا

 

 

إنه لمن العسير على أبصارنا أن نرى عبر ألفين وخمسمائة عام ماذا كانت الظروف الاقتصادية والسياسية والخلقية التي استدعت ظهور ديانتين تدعوان إلى مثل ما تدعوا إليه الجانتية والبوذية من تقشف وتشاؤم؛ فمما لا شك فيه أن الهند كانت قد خطت خطوات فسيحة في سبيلها إلى الرقي المادي منذ استقر بها الحكم الآري؛ فبنيت مدائن عظيمة مثل "باتاليبُترا" و "فايشالي" ؛ وزادت الصناعة والتجارة من ثروة البلاد؛ والثروة بدورها خلقت لطائفة من الناس فراغاً، ثم طَوَّر الفراغ العلم والثقافة؛ ومن الجائز أن تكون الثروة في الهند هي التي أشاعت فيها النزعة الأبيقورية المادية خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد؛ ذلك لأن الدين لا يزدهر في حياة تزدهر بالثراء، إذ الحواس في ظل الثراء تحرر نفسها من قيود الورع وتخلق من الفلسفات ما يبرر هذا التحرر؛ وكما حدث في الصين أيام كونفوشيوس، وفي اليونان أيام بروتاجوراس- ولن نذكر في الهند أيام بوذا- أن أدى الانحلال العقلي للديانة القديمة إلى شك وفوضى في الأخلاق؛ فالجانتية والبوذية، ولو أنهما مترعتان في ثناياهما بلون من الإلحاد الكئيب، الذي ساد ذلك العصر بعد أن زالت عن عينيه غشاوة الأحلام وأوهامها؛ إلا أنهما في الوقت نفسه كانتا بمثابة رد الفعل من جانب الدين في مقاومته لمذاهب اللذة التي أخذت بها طبقة من الناس

 

 

 

 

  صفحة رقم : 716  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> أسطورة بوذا

 

 

حررت نفسها ونعمت في حياتها بالفراغ .

وتصف الرواية الهندوسية والد بوذا- شُدْ ذُوذانا- بأنه رجل غمس نفسه في الحياة ، وهو من أبناء عشيرة "جواتاما" التي تنتسب إلى قبيلة "شاكيا" المُدِلَّة بنفسها؛ كان أميراً أو ملكاً على "كابيلافاستو" عند سفح الهمالايا(25)؛ ولكننا في حقيقة الأمر لا نعرف شيئاً عن بوذا معرفة اليقين؛ فلو رأيتنا قد قصصنا عليك هاهنا القصص التي تجمعت حول اسمه، فليس ذلك لأنها تاريخ نريد إثباته، ولكننا نرويها لأنها جزء ضروري من الأدب الهندي والديانة الآسيوية، ويحدد العلماء مولد بوذا بعام يقرب من سنة 563 ق.م. ثم لا يستطيعون أن يضيفوا إلى ذلك شيئاً، فتتناول الأساطير بقية قصته، وتكشف لنا عن الغرائب التي قد تحدث حين تحمل الأمهات بأعلام الرجال، فيذكر لنا سفر من أسفار "جاتاكا" . أنه في ذلك الوقت:

"في مدينة كابيلافاستو" أعلن عن الاحتفال بالبدر؛ وبدأت الملكة "مايا" قبل موعد البدر بسبعة أيام تقيم حفلاتها بالعيد دون أن تقدم فيها المسكرات، مكتفية بما أغرقت به ولائمها من أكاليل الزهور والعطور؛ وفي اليوم السابع- يوم اكتمال البدر- استيقظت مبكرة واستحمت في ماء عبق بالعطر،

 

 

 

 

  صفحة رقم : 717  

 

 

 

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الهند وجيرانها -> بوذا -> أسطورة بوذا<

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة الحضارة - ول ديورانت | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

 



f_alnashwan@hotmail.com